أحمد مصطفى المراغي
17
تفسير المراغي
لأنه هو المربى للمؤمنين على ما تزكو به نفوسهم ، ويعلوا قدرها باتباعهم سنته العملية والقولية وبيانه لكتاب اللّه ، فهو القدوة الحسنة لهم . ونسبت إلى الفاعل لها في نحو قوله : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » وقوله : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى » لأنه قد فعل ما كان سببا في طهارة نفسه وزكاتها من صدقات ونحوها من أعمال البر . وأما النهى عن تزكية النفس في قوله : « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » وقوله : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ » فذاك في تزكية النفس بدعوى اللسان فقط دون عمل يؤيدها . ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) أي وادع أيها الرسول للمتصدقين واستغفر لهم ، فإن دعاءك واستغفارك سكن لهم يذهب به اضطراب نفوسهم ؛ وتطمئن قلوبهم بقبول توبتهم ، ويرتاحون إلى قبول اللّه صدقاتهم بأخذك لها ووضعها في مواضعها . والصلاة من اللّه على عباده رحمته لهم ، ومن ملائكته استغفارهم كما قال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً » ومن المؤمنين على النبي صلى اللّه عليه وسلم دعاؤهم له بما أمرهم به في الصلاة بعد التشهد الأخير كالدعاء المأثور ( اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ) . ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي واللّه سميع لاعترافهم بذنوبهم ، وسميع لدعائك سماع قبول وإجابة ، عليم بندمهم وتوبتهم منها وإخلاصهم في صدقاتهم وطيب أنفسهم بها ، عليم بما فيه الخير والمصلحة لهم وهو الذي يثيبهم عليها . و قد روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : « اللهم صلّ على فلان » فأتاه أبى بصدقته فقال « اللهم صلّ على آل أبي أوفى » .